الطبراني

325

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

فعلى هذا المسكين أفقر من الفقير ، ومن الدليل على ذلك أنّ اللّه قال : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثم قال : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ « 1 » ، ومعلوم أن الجاهل بحال الفقير لا يحسبه غنيّا إلّا وله ظاهر جميل ويده حسنة ، وقال تعالى : أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ « 2 » . قيل في التفسير : الذي قد لصق بالتّراب وهو جائع عار ليس بينه وبين التراب شيء يقيه . وقال أبو العبّاس ثعلب : ( حكي عن بعض أهل اللّغة أنّه قال : قلت لأعرابيّ : أفقير أنت ؟ قال : لا ؛ بل مسكين . وأنشد الأعرابيّ : أمّا الفقير الّتي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد « 3 » فسمّاه فقيرا مع وجود الحلوبة ) « 4 » . وقال محمّد بن مسلمة : ( الفقير الّذي لا ملك له ) قال : ( وكلّ شيء محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه ) ، واحتجّ من قال : إن الفقير أفقر من المسكين بقوله تعالى : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ « 5 » فأضاف السفينة إليهم ، وهذا لا دلالة فيه لأنه روي أنّهم كانوا فيها أجراء . قوله تعالى : وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ، يعني السّعاة الذين يجلبون الصّدقة ، ويتولّون قبضها من أهلها ، يعطون منها سواء كانوا أغنياء أم فقراء ، واختلفوا في قدر ما يعطون ، قال الضحّاك : ( يعطون الثّمن من الصّدقة ) « 6 » ، وقال مجاهد : ( يأكل العمّال من السّهم الثّامن ) « 7 » ، وقال عبد اللّه بن عمرو بن العاص : ( يعطون على قدر عمالتهم ) « 8 » ، وقال الأعمش : ( يعطون بقدر أجور أمثالهم وإن كان أكثر من الثّمن ) ، وقال مالك وأهل العراق : ( إنّما ذلك للإمام واجتهاده يعطيهم الإمام قدر ما رأى ) ، وعن ابن عمر : ( يعطون بقدر عملهم ) ، وعند الشافعيّ : ( يعطون ثمن الصّدقات ) .

--> ( 1 ) البقرة / 273 . ( 2 ) البلد / 16 . ( 3 ) السّبد : الوبر ، وقيل : الشّعر ، والعرب تقول : ما له سبد ولا لبد ، أي ما له ذو وبر ولا صوف متلبد ، ويكنى بهما عن الإبل والغنم . ( 4 ) ينظر : لسان العرب : مادة ( فقر ) : ج 10 ص 299 . ونقله المنذري عن ابن فهم ؛ ينظر : تهذيب اللغة للأزهري : ج 9 ص 103 : مادة ( فقر ) . ( 5 ) الكهف / 79 . ( 6 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 13092 ) . ( 7 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 13093 ) . ( 8 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 13094 ) .